سورة آل عمران - تفسير تفسير الثعالبي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (آل عمران)


        


قوله عز وجل: {الم الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم} قال المفسرون: نزلت هذه الآية في وفد نجران وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم وهم العاقب واسمه عبد المسيح وهو أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلاّ عن رأيه، والسيد واسمه الأيهم وهو ثمالهم القائم بمالهم وصاحب رحلهم الذي يقوم بأمر طعامهم وشرابهم وأبو حارثة بن علقمة وهو أسقفهم وحبرهم وكان ملوك الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه واجتهاده في دينه فدخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي العصر وعليهم ثياب الحبرات جبب وأردية يقول من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأينا وفداً مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فصلوا إلى المشرق فلما فرغوا كلم السيد والعاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما قالا: قد أسلمنا قبلك. قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير، قال إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعاً في عيسى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلاّ وهو يشبه أباه قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال ألستم على كل شيء يحفظه ويرزقه. قالوا بلى قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً قالوا: لا قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما علم قالوا لا. قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء وربنا لا يأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال: بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لايأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال: بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث. قالوا: بلى قال: فيكف يكون إلهاً كما زعمتم فسكتوا». فأنزل الله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها زاد بعضهم. فقالوا يا محمد ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه قال بلى قالوا حسبنا ثم أبوا إلاّ جحوداً فأنزل الله رداً عليهم {الم الله لا إله إلاّ هو} يعني إن كانت منازعتكم يا معشر النصارى في معرفة الإله فهو الله الذي لا إله إلاّ هو فكيف تثبتون له ولداً فبين تعالى أن أحداً لا يستحق العبادة سواه لأنه الواحد لأحد ليس معه إله ولا له ولد ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقام تعالى: {الحي القيوم} أما الحي في صفة الله تعالى فهو الدائم الباقي الذي لا يصح عليه الموت. وأما القيوم فهو القائم بذاته والقائم بتدبير الخلق ومصالحهم فيم يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم.


{نزل عليك الكتاب} يعني القرآن {بالحق} أي بالصدق والعدل {مصدقاً لم بين يديه} يعني لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع. وقوله: {لما بين يديه} من مجاز الكلام وذلك أن ما بين يديه فهو أمامه فقيل لكل شيء تقدم على الشيء هو بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل} أي من قبل القرآن. فإن قلت لم قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل. قلت لأن القرآن نزل منجماً مفصلاً في أوقات كثيرة ونزل هو للتكثير وأنزل التوراة والإنجيل. جملة واحدة {هدى للناس} يعني أن إنزال التوراة والإنجيل قبل القرآن كان هدى للناس. قلت إنما وصف القرآن بأنه هدى للمتقين لأنهم هم الذين انتفعوا به وتعبوه ووصف هنا التوراة والإنجيل بأنهما هدى للناس لأن المناظرة كانت مع مع نصارى نجران وهم يعتقدون صحة التوراة والإنجيل فلهذا السبب قال هنا {هدى للناس} وقيل إن قوله هدى للناس يعود إلى الكتب الثلاثة يعني القرآن المتقدم ذكره والتوراة والإنجيل وإنما وصف هذه الكتب بأنها هدى للناس لما فيها من الشرائع والأحكام {وأنزل الفرقان} يعني الفارق بين الحق والباطل قيل أراد به القرآن وإنما أعاد ذكره تعظيماً لشأنه ومد حاله لكونه فارقاً بين الحق والباطل وقيل إنما أعاد ذكره ليبين أنه تعالى أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فارقاً بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى في أمر عيسى عليه السلام وقيل المراد به الكتب الثلاثة لأنها كلها هدى للناس ومفرقة بين الحلال والحرام والحق والباطل. وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس {إن الذين كفروا بآيات الله} يعني الكتب المنزلة وغيرها قيل أراد بهم نصارى وفد نجران كفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل إن خصوص السبت لا يمنع عموم اللفظ فهو يتناول كل من كفر بشيء من آيات الله تعالى: {لهم عذاب شديد والله عزيز} أي غالب لا يغلب {ذو انتقام} يعني ممن كفر به والانتقام المبالغة في العقوبة. قوله عز وجل: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} أي لا يخفى عليه شيء من أمر العالم وهو المطلع على أحوالهم فقوله: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات {هو الذي يصوركم في الأرحام} التصوير جعل الشيء على صورة والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف والأرحام جمع رحم {كيف يشاء} يعني الصور المختلفة المتفاوتة في الحلقة ذكراً أو أنثى أبيض أو أسود حسناً أو قبيحاً كاملاً أو ناقصاً والمعنى أنه الذي يصوركم في ظلمات الأرحام صوراً مختلفة في الشكل والطبع واللون وذلك من نطفة.
(ق) عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملك بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله شقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فوالله الذي لا إله إلا هو غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
(ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وكل الله بالرحم ملكاً فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل؟ فكتب له ذلك في بطن أمه» وقيل إن الآية واردة في الرد على النصارى وذلك أن عيسى عليه السلام كان يخبر ببعض الغيب فيقول: أكلت في دارك كذا صنعت كذا وإنه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص وخلق من الطين طيراً فادعت النصارى فيه الإلهية وقالوا: ما قدر على ذلك إلاّ أنه إله فرد الله تعالى عليهم بذلك. وأخبر أن الإله المستحق لهذا الاسم هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه المصور في الأرحام كيف يشاء، وأن عيسى عليه السلام ممن صوره في الرحم فنبه بكونه مصور في الرحم على أنه عبد مخلوق كغيره وأنه يخفى عليه ما لا يخفى على الله عز وجل: {لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم} وهذا أيضاً في الرد على النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله كأنه قال: كيف يكون ولد إله وقد صوره الله في الرحم.


قوله عز وجل: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} يعني القرآن {منه آيات محكمات} يعني مبينات مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه سميت محكمة من الإحكام كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها {هن أم الكتاب} يعني هن أصل الكتاب الذي يعول عليه من الأحكام، ويعمل به في الحلال والحرام فإن قلت: كيف قال هن أم الكتاب ولم يقل أمهات الكتاب؟ قلت: لأن الآيات في اجتماعها وتكاملها كالآية الواحدة وكلام الله كله شيء واحد. وقيل: إن كل آية منهن أم الكتاب كما قال وجعلنا ابن مريم وأمة آية يعني أن كل واحد منهما آية: {وأخر} جمع أخرى {متشابهات} يعني أن لفظه يشبه لفظ غيره ومعناه يخالف معناه. فإن قلت: قد جعله هنا محكماً ومتشابهاً وجعله في موضع آخر كله محكماً فقال في أول هود {الر كتاب أحكمت آياته} وجعله في موضع آخر كله متشابهاً. فقال تعالى في الزمر: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً} فكيف الجمع بين هذه الآيات. قلت: حيث جعله كله محكماً أراد أنه كله حق وصدق ليس فيه عبث ولا هزل وحيث جعله كله متشابهاً أراد أن بعضه يشبه بعضاً في الحسن والحق والصدق، وحيث جعله هنا بعضه محكماً وبعضه متشابهاً فقد اختلف عبارات العلماء فيه فقال ابن عباس: المحكمات الثلاث آيات التي في آخر سورة الأنعام وهي قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} ونظيرها في بني إسرائيل {وقضى ربك أن لا تعبد وا إلاّ إياه الآيات}. وعنه أن الآيات المحكمة هي الناسخ والمتشابهات هي الآيات المنسوخة وبه قال ابن مسعود وقتادة والسدي وقيل إن المحكمات ما فيه أحكام الحلال والحرام والمتشابهات ما سوى ذلك يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً وقيل: إن المحكمات ما طلع الله عباده على معناه والمتشابه ما استاثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر عن أشراط الساعة مثل الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها وفناء الدنيا وقيام الساعة فجميع هذا مما استأثر الله بعلمه وقيل: إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلاّ وجهاً واحداً والمتشابه ما يحتمل أوجهاً وروي ذلك عن الشافعي وقيل إن المحكم سائر القرآن والمتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قال ابن عباس إن رهطاً من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي بلغنا: أنك أنزل عليك الم فأنشدك الله أأنزل عليك قال نعم. قال: إن كان ذلك حقاً فإني أعلم مدة ملك أمتك هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال: نعم آلمص قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال نعم آلر قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وثلاثون سنة فهل من غيرها؟ قال: نعم آلمر قال هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة.
وقد اختلط علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا. فأنزل الله هذه الآية قوله تعالى. {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} وقيل: إن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه والمتشابه ما تكررت ألفاظه وقيل: إن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه ما احتاج إلى بيان وقيل: إن المحكم هو الأمر والنهي والوعد والوعيد والمتشابه هو القصص والأمثال. فإن قلت: إنما نزل القرآن لبيانه الدين وإرشاد العباد وهدايتهم فما فائدة المتشابه وهلا كان كله محكماً؟ قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة أحدها. أن القرآن أنزل بألفاظ العرب ولغاتهم وكلام العرب على ضربين أحدهما: الإيجاز للاختصار والموجز الذي لا يخفى على سامعه لا يحتمل غير ظاهره، والإطالة لبيان المراد والتوكيد. الضرب الثاني: المجاز والكنايات والإشارات والتلويحات وإغماض بعض المعاني، وهذا الضرب هو المستحسن عند العرب والبديع في كلامهم فأنزل الله تعالى على هذين الضربين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكماً واضحاً لقالوا: هلا أنزل بالضرب المستحسن عند الجواب الثاني أن الله تعالى أنزل المتشابه لفائدة عظيمة، وهي أن يشتغل أهل العلم والنظر بردهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم ويتصل بالبحث عن معانيه اهتمامهم فيثابون على تعبهم كما أثبتوا على عباداتهم. ولو أنزل القرآن كله محكماً لاستوى في معرفته العالم والجاهل ولم يفضل العالم على غيره ولماتت الخواطر وخمدت الفكرة، ومع الغموض تقع الحاجة إلى الفكرة والحيلة إلى استخراج المعاني. وقد قيل في عيب الغنى إنه يورث البلادة وفي فضيلة الفقر إنه يورث الفطنة. وقيل: إنه يبعث على الحيلة لأنه إذا احتاج احتال. الجواب الثالث: أن أهل كل علم يجعلون في علومهم معاني غامضة ومسائل دقيقة ليختبروا بذلك أذهان المتعلمين منهم على انتزاع الجواب لأنهم إذ قدروا على انتزاع المعاني الغامضة كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسناً عند العلماء جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو. الجواب الرابع: ان الله تعالى أنزل المتشابه في كتابه مختبراً به عباده ليقف المؤمن عنده ويرد علمه إلى عالمه فيعظم بذلك ثوابه، ويرتاب به المنافق فيداخله الزيغ فيستحق بذلك العقوبة كما ابتلى بنو إسرائيل بالنهر والله أعلم بمراده. وقوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ميل عن الحق وقيل: الزيغ الشك واختلفوا في المعنى بهم والمشار إليهم فقيل هم وفد نجران الذين خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام وقالوا: ألست تزعم أن عيسى روح الله وكلمته؟ قال: بلى قالوا: حسبنا فأنزل الله هذه الاية.
وقيل: هم اليهود لأنهم طلبوا معرفة مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه بحساب الجميل من الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: هم المنافقون وقيل: هم الخوارج وكان قتادة يقول: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم. وقيل هم جميع المبتدعة {فيتبعون ما تشابه منه} يعني يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، ويقولون: ما بال هذه الاية عمل بها كذا وكذا ثم نسخت. وقيل كل من احتج لباطله بالمتشابه فهو المعنى بهذه الاية.
(ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إلى وما يذكر إلاّ أولو الألباب} فقال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم» وقوله تعالى: {ابتغاء الفتنة} أي طلب الشرك والكفر. وقيل: طلب الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم وقيل: طلب إفساد ذات البين {وابتغاء تأويله} أي تفسيره. وأصل التأويل في اللغة: المرجع والمصير تقول: آل الأمر إلى كذا إذا رجع إليه وتسمى العاقبة تأويلاً لأن الأمر يصير إليه. قال ابن عباس في قوله: {وابتغاء تأويله} أي طلب بقاء ملك محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: المراد بهم الكفار طلبوا متى يبعثون وكيف أحياهم بعد الموت وقيل هو طلب تفسير المتشابه وعلمه {وما يعلم تأويله إلاّ الله} يعني تأويل المتشابه وقيل: لا يعلم انقضاء ملك هذه الأمة إلاّ الله تعالى لأن انقضاء ملكها مع قيام الساعة. ولا يعلم ذلك إلاّ الله وقيل: يجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه كعلم قيام الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وعلم الحروف المقطعة، وأشباه ذلك مما استأثر الله بعلمه فالإيمان به واجب وحقائق علومه مفوضة إلى الله تعالى، وهذا قول أكثر المفسرين وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس في رواية عنه، وأبي كعب وعائشة وأكثر التابعين فعلى هذا القول تم الكلام عند قوله: {إلاّ الله} فيوقف عليه ثم ابتدأ فقال عز من قائل {والراسخون في العلم} أي الثابتون في العلم وهم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في علمهم شك {يقولون آمنا به} قال ابن عباس: سماهم راسخين في العلم بقولهم آمنا به فرسوخهم في العلم هو الإيمان به. وقال عمر بن عبد العزيز في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به {كل من عند ربنا} يعني المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا منه وما لم نعلم ونحن معتبدون في المتشابه بالإيمان به، ونكل معرفته إلى الله تعالى.
وفي المحكم يجب علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه. وروي عن ابن عباس أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه فمنه تفسير لا يسع أحداً جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلاّ الله. وقيل: إن الواو في قوله والراسخون في العلم واو عطف يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون آمنا به. وري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وعن مجاهد عنه أنا ممن يعلم تأويله. ووجه هذا القول أن الله تعالى أنزل كتابه لينتفع به عباده ولا يجوز أن يكون في القرآن شيء لا يعرفه أحد من الأمة وفي المراد بالراسخين في العلم هنا قولان أحدهما: أنهم مؤمنوا أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه دليله قوله تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم} والقول الثاني: أن الراسخين هم العلماء العاملون بعلمهم. سئل انس بن مالك عن الراسخين في العلم فقال: العالم العامل بما علم المتبع له وقيل، الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء التقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهد فيما بينه وبين النفس {وما يذكر إلاّ أولو الألباب} أي وما يتعظ بما في القرآن إلاّ ذوو العقول وهذا ثناء من الله عز وجل على الذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8